لإنسان الأعجوبة و مولد الحضارة
فى هذه المقدمة سنتعرف على بعض الموضوعات و سنثير بعض التساؤلات التى سنتناول إجابتها بالتفصيل على مدى العدة أسابيع القادمة بإذن الله عز و جل.
- كيف ابتدأت الحضارة الإنسانية كفرية كما أخبرنا بها علماء التاريخ رغم أن مبتداها مع خلق آدم عليه السلام و هو من المكلمين؟
- هل الكون من حولنا مادة صماء ليس لها إدراك أم أن لكل مكون إدراك و وعى؟
- ما هى مراكز الطاقة فى جسم الإنسان؟ و كيف يكون الإنسان محطة إرسال و إستقبال كونية؟!!
- الديانات و العبادات و الكتالوج الإلهى الذى هو رحمة للعالمين!
﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ﴾ فصلت 53-54
وعد الله عز وجل بكشف بعض آياته للناس على المستوى الكونى و على المستوى الشخصى حتى يكون الناس على يقين مما جاء بين أيديهم على لسان رسوله الكريم محمد (ص) خاتم الأنبياء و المرسلين. و لا شك أن الجهاز العصبى و بخاصة المخ البشرى هو من أعقد ما يحتويه جسم الإنسان من أجهزة. و هو وسيلة إتصاله بالكون المحيط به و لهذا سنبدأ بالحديث عنه.
المخ البشرى
الدارسون للمخ البشرى من الناحية التشريحية يتعرفون على التركيب الأولى للمخ و أنواع الخلايا العصبية المخية و تخصص كل منها، و هذا يتم على المستوى التشريحى. و هناك فريق آخر من الدارسين يقسمون الإدراك على قسمين الوعى و اللاوعى. و يبدو لدينا أن كل فريق يتكلم عن عالمين مختلفين، كما هو الحال فى بقية العلوم فهنال قوانين الطبيعة و هناك ظواهر ما وراء الطبيعة. و لكنى أعتقد أن فريق آخر يجب أن يكون هو حلقة الوصل بين الطرفين حتى تتم المعرفة على أكمل وجه لها. و سوف أبدء الحديث عن المخ البشرى البالغ التعقيد بتجربة غريبة، لكى أوضح منطقة التلاقى بين الفريقين. ففى إحدى الجلسات العلاجية التى تجرى بإستخدام طرق التنويم المغناطيسى قام الطبيب المعالج بتجربة لإكتشاف مدى قوة التأثير من خلال التنويم المغناطيسى، فقال للمريض أنه سوف يلمس ذراعه الآن بمعدن قد تم تسخينه، و بعد لمس ذراع المريض بدأ الحرق و الإلتهابات تظهر على جلد المريض كالمعتاد. و لكن الغير معتاد هو أن الطبيب المعالج كان قد لمس ذراع المريض بإصبعه و ليس بمعدن ساخن!!! و يأتى السؤال فكيف كان الحرق إذاً؟ و كانت الإجابة أن هناك مركز فى المخ هو المسئول عن "فبركة" هذا الحدث. و نستخلص من هذه التجربة أن المخ البشرى مسجل عليه برنامج للحرق تماماً كبرامج الكمبيوتر و عندما تم إستدعاء هذا البرنامج ظهرت كل مظاهر الحرق على الجلد تماماً مثل الحرق الحقيقى.
إدراك الفص الأيمن و إدراك الفص الأيسر
عند الحديث بتقسيم المخ البشرى إلى فص أيمن و آخر أيسر فهما ليسا منفصلين كما يظن البعض و لكنهما متصلين بحزمة من الألياف العصبية. و لكن الطبيعة النوعية لكل فص مختلفة فالإدراك بالفص الأيمن أدراك نوعى للأشياء فهو يضع الخطوط العريضة و المبادئ العامة فيصنف الأشياء فى نماذج و يوجد العلاقات بين النماذج الكونية المختلفة دون الدخول فى تفاصيل. و لذلك فإن إدراك الفص الأيمن لا يظهر فيه "الأنا" بشكل كبير فهو متصل بالخارج، فنجد الفص الأيمن نشط أثناء ممارسة العبادة أو الرياضات الروحية كاليوجا أو سماع أنواع معينة من الموسيقى و لهذا فكل من يمر بهذه التجارب يشعر بنوع من الذوبان فى المحيط الخارجى و أن روحه ترفرف فى السماء و كل هذه التعبيرات هى تعبير عن نشاط زائد فى الفص الأيمن فى المخ على حساب الفص الأيسر، و إذا نشط الفص الأيمن أكثر من اللازم فتجد الإنسان بدأ فى الهلوسة و هذا ما يحدث عند تناولنا للمسكرات "مشروبات روحية" أو عند مرضى الصرع. أما الفص الأيسر فنجده على النقيض فهو ذاتى أكثر فتظهر فيه الأنا بشكل كبير فنجد إنسانا محللاً مدققاً فى الأشياء متقد الذهن و إدراك الفص الأيسر مناسب للعمليات الحسابية و التحليلية. و لذلك نجد الإختلاف الكبير بين الفلسفات الشرقية القديمة و المدنية الغربية الحديثة. فالفلسفات الشرقية القديمة كانت ترتكز كليا على معلمى و ممارسى الرياضات الروحية و الذين لهم قدرة على رؤى أثناء اليقظة و كأنهم إخترقوا حاجزى الزمان و المكان و منهم من كتب عن خلق الكون ما هو متفق بشكل محير مع أحدث النظريات الفيزيائية، و نجد منهم من يستطيع أن يأتى بأشياء مذهلة ضد كل قوانين البيولوجيا كتعطيل أو تبطىء التنفس ليس لدقائق فقط بل لساعات و أحيانا لأيام. و على الناحية الأخرى فالعلوم الغربية و التى وصلت إلى درجة كبيرة من التقنية العلمية و الفنية هى نتاج عقول علمية مدققة و محللة للأشياء و لها القدرة على صياغة الظواهر الطبيعية فى معادلات رياضية و على حلها.
و على ما تقدم من تفصيل لكلا الإدراكين على إختلافهما فقد قام عالم الطب النفسى السويسرى كارل يوستاف يونج بتمييز مراحل تطور الفكر الإنسانى إلى أربعة مراحل متمايزة مر بها الإنسان منذ خلقه و حتى الآن بناء على إدراكه و وعيه. (1) الإنسان البدائى، (2) الإنسان القديم، (3) الإنسان الحديث، (4) الإنسان المعاصر.
الإنسان البدائى: نجد أن طرق تفكير الإنسان البدائى لم تكن بدائية بمعنى تافهة و لكنها كانت مختلفة. و لا ننسى أن آدم أول الجنس الإنسانى لم يكن أبداً تفكيره تافهاً فهو نبى و مكلم، و لكن معرفة الإنسان كانت معتمدة على تصورات الفص الأيمن للطبيعة. و التى تميل إلى التواصل مع الكون و المخلوقات على كافة أنواعها و البقاء فى حالة تناغم و إتزان و الشعور بالأنا على أنها جزء من الكون يؤثر و يتأثر.و لكن السؤال ما هى كيفية الإتصال؟ من الثابت لدينا الآن أن كل الموجات ينطبق عليها قانون الرنين و الذى ينص على أن النوعيات المتماثلة من الموجات الذبذبية تكرر نفسها بصورة لانهائية. و بدراسة قدرة المخ البشرى وجد أن الفص الأيمن من المخ قادر على إستقبال و إرسال موجات ذبذبية معينة و هى ما يسمى بموجات ألفا المخية (7-10 Hz) وهى التى تزيد بشكل ملحوظ أثناء الصلوات و الرياضات الروحية و التى هى أيضا نفس الذبذبات التى تسمى بموجات الأرض الطبيعية أو "موجات شومان". و يبدو أيضاً أن قدرة سيدنا آدم على التواصل مع جميع المخلوقات بما فيها من ملائكة و جن كانت عن طريق الدخول فى حالة رنين مع هذه المخلوقات لتبادل الإتصال و لأن لكل مخلوق طاقاته الذبذبية الخاصة به فإنه يحتاج لتدريب أو مجهود للدخول فى حالة رنين ذبذبى مع مخلوقات ليست من جنسه. و قد يكون أيضاً هذا هو السبب وراء شعور سيدنا آدم بالوحدة و الإحتياج للسكينة بخلق حواء و التى هى منه حتى يتم الإتصال بشكل طبيعى بدون أى جهد.
و إذا ما طبقنا ظاهرة الرنين هنا نجد أن الإنسان البدائى كانت طقوس عبادته مرتبطة بالدخول فى حالة رنين مع الموجات الطبيعية الصادرة من الأرض، الشمس، الكواكب و النجوم التى لها موجات ذبذبية معينة لها طاقات تنظيمية لوظائف الجسم البشرى و اللازمة لتمده بالطاقة الروحية تماما كما يحدث فى الصلاة. و قد يبدو لنا المشهد الآن أكثر وضوحاً كيف كان الإنسان الأول يتوجه لنجم معين أو كوكب أثناء الصلاة لا ليعبده و إنما كقبلة- تماما كما نتوجه فى صلواتنا للكعبة المشرفة كقبلة- له لازمة لتمده بالطاقة الروحية و الدخول فى حالة رنين ذبذبى مع هذا النجم أو الكوكب و لهذا فكان لكل مكان على الأرض كواكب أو نجوم تعتبر مقدسة كل على حسب موقعه الجغرافى. و من المؤكد أن هذه الأماكن المقدسة كان يتعرف عليها الإنسان الأول عن طريق أنبياء فما من أمة إلا وجعل الله فيها رسولاً. و لنا الآن أن نتصور كيف تدخل العدو اللدود لآدم و بنيه من بعده فانحرفت العبادة من عبادة الله الواحد لعبادة الكواكب و النجوم ذاتها، أو جعلها وجهة للعبادة كأرباب مع الله و جعل الله رب لهذه الأرباب.
الإنسان القديم: و بمرور الوقت و تغير النظم الإجتماعية و علاقة الفرد بالمجتمع بدأ تصور الإنسان فى التغير هو الآخر و أصبح الفص الأيسر آخذ فى التطور. و كان التحول الأول الأكبر فى التاريخ البشرى من الإنسان البدائى إلى الإنسان القديم حين أصبح التصور و الإدراك المعرفى معتمداً على كلا الفصين بشكل متساوى و كان لهذا التحول الأثر العظيم على خريطة التصور المعرفى الإنسانى فقامت حضارات العالم القديم. و لذلك فإن الأسس و التصورات المعرفية فى الحضارات القديمة متشابهة إلى حد كبير. و التى طور فيها التصورات الموروثة عن قوى الطبيعة بشكل عملى فنشأت مبادىء العلوم المختلفة على تراكمات و تصورات قديمة إنعكست على شكل المبانى و المعابد و الكتابات و الرسومات و الرموز.و أصبحت كل العلوم هدفها هو إيجاد حالة التناغم و الإنسجام مع قوانين الطبيعة و الكون.
الإنسان الحديث: و مع تطور النظم الإجتماعية كان التحول الثانى فى التاريخ البشرى حيث أصبحت تصورات الفص الأيسر هى المسيطرة و هى ما أدت للذاتية أكثر و أصبحت منطَقة الأشياء مختلفة تماما مما أدى إلى إنقطاع الصلة بين حضارة الإنسان الحديث و الإنسان القديم و تم فقد الكثير من الفلسفات و العلوم القديمة. و أصبحت قوى الطبيعة عبارة عن قوانين و معادلات رياضية جامدة. حتى أن الإنسان الحديث أصبح يرى كل مكتسبات الحضارات القديمة على أنها مجرد خرافات و أن كل معتقداتهم هى مجرد إرضاء لأرواح شريرة. و أصبح هناك تمييز بين مكونات الكون من كائنات حية لها إدراك و شعور أو لا و الأخرى هى مادة جامدة غير حية. و أصبح الإنسان متمركزا أكثر و أكثر حول ذاته و منعزلاً عن الكون من حوله و أصبحت معرفته بما حوله أكثر أنانية لأغراض إستهلاكية محضة. مما جعل العلوم تحيد كثيراً عن مسارها السليم لتعبر عن ثقافة مادية إستهلاكية و هذا ما نعيشه الآن.
الإنسان المعاصر: بعض منا الآن أصبح غير مقتنع بما و صلت إلية الحياة على الطريقة الغربية المادية الإستهلاكية. و بدأ ينظر بداخله ليكتشف ما بداخله من طاقات كامنة و ليعيد صياغة علاقته بالكون من جديد. بمعنى آخر منا من يحاول إعادة تفعيل و تنشيط الطاقات الكامنة بالفص الأيمن من المخ. فهل ستعود الحضارة الإنسانية لحالة توازن معرفى من جديد يعتمد على فصى المخ البشرى بشكل متوازن؟ و هل يستمر التحول حتى يعود الإنسان معتمداً فقط على الفص الأيمن فى علاقته بالكون من حوله؟ و بذلك يفقد الصلة مرة أخرى و لكن هذه المرة مع موروثات الإنسان الحديث و ترجع الحياة بدائية مرة أخرى. ولكن الإنسان البدائى بدأ بموروث معرفى تلقاه آدم عليه السلام من رب العالمين و لكن هذه المرة سيبدأ الإنسان بموروث معرفى تلقاه من أجداده و الذى يسيطر عليه الآن مبادئ مادية بحته. و بذلك يكون إنسان العصر القادم قد فقد الصلة مع ما وصل إليه أجداده من علوم و تكنولوجيا و كذلك ما وصله الإرث الدينى السليم الذى يستطيع الإعتماد عليه!!! و هذا ما نحن نورثه الآن لأجيال قادمة.


رد مع اقتباس
