لعب القلب دورا مهما فى قضية الإيمان العقدى عند البشر منذ فجر التاريخ. و هو المحور الأساسى الذى تتحدث عنه الديانات المختلفة فى الإنسانية. و من المأثور أن نقول هذا الإنسان له قلب من حجر و هذا قلبه كبير و هذا قلبه أسود و ذاك قلبه أبيض لندلل به على سلوكه الإنسانى الذى من المفترض أنه مرتبط بالمخ و ليس القلب. أما أن نقول "القلب الذكى" فهذا يحتاج إلى توضيح. كانت الفكرة السائدة فى الأوساط العلمية هى أن القلب يعمل كمضخة للدم حيث يتم تجميع الدم فيه من الجسم ليتم تحميله بالأكسجين من الرئتين و إعادة ضخه من تجربة إلى الجسم. و عن عمل القلب و انتظام نبضاته فهذا يتم عن طريق منشط يعرف بالعصب السيمبتاوى و عصب آخر مهدئ يعرف بالجارسيمبتاوى و يشكل كلا العصبين ما يعرف بالجهاز العصبى اللاإرادى الذى ليس للإنسان تحكم عليه. و بالدراسة المتأنية تبين أن كل نبضة من نبضات القلب لا تدفع دفقة من الدم و حسب. بل تبعث برسائل (عصبية- هرمونية-ميكانيكية-كهروماغناطيسية) إلى المخ محملة بكثير من المعلومات المسئولة عن المشاعر، فلم تعد علاقة القلب بالمخ علاقة العبد بالسيد بل أصبحت علاقة تبادلية. فكيف للقلب أن يمتلك هذه القدرات الإستقبالية و الإدراكية و الإرسالية؟
كيف تعلم القلب الكلام إن اللغة التى يتواصل بها القلب مع ما يحيط به هى لغة تشفير عن طريق رسائل كهروماغناطيسية سواء كانت الوظيفة استقبال أو إرسال.و لكن كيف تعلم القلب هذه اللغة يرجع ذلك إلى مراحل تكوين الجنين و مراحل الطفولة الأولى، ففى مرحلة تكوين الأجنة تكون مغمورة تماما بالمجال المغناطيسى لقلب الأم و ذلك ما يظهر واضحا فى تآلف و تزامن موجات رسم المخ الكهربائى و رسم القلب الكهربائى لكل من الجنين و الأم.و أما أثناء فترة الرضاعة أثبتت الدراسات أن المجال المغناطيسى لقلب الطفل يتم ضبطه ليستكمل تزامنه و تآلفه مع المجال المغناطيسى لقلب الأم، و أثناء ذلك يتم استقبال كثير من المعلومات فى قلب الطفل من أبسطها رسائل حب و الشعور بأنه طفل مرغوب فيه. و لذلك لا تعتبر عملية الرضاعة هى مجرد إمداد الطفل باللبن بل هى علاقة خاصة جدا تنتقل فيها المعرفة من قلب الأم إلى قلب الرضيع. و هكذا يتعلم القلب فك شفرة الرسائل الكهروماغناطيسية و يصبح قابل لإستقبالها من المحيط. كما يصبح قادر على الإرسال إلى الجسم و إلى المحيط و من مظاهر هذا التواصل عن طريق الموجات الكهروماغناطيسية:
· التواصل داخل الجسم و من أقدم التطبيقات التى عرفتها البشرية العلاج بالإبر الصينية و الذى يقوم على أن مسارات الطاقة داخل جسم الإنسان مسئولة عن الصحة و المرض، ومن أهم تطبيقاته استخدام الإبر الصينية فى تخدير المرضى لإجراء العمليات الجراحية و يتم ذلك عن طريق الإهتزازات التى يحدثها المتخصصون فى هذه الإبر المغروسة فى الجسم فترسل موجات تعترض البوابات التى تمر منها مسارات الألم، فلا يصل الألم إلى المخ.
· التواصل مع البشر ركزت الأبحاث الطبية على الآليات الكيميائية فقط للشعور فمثلا فسرت الأبحاث كيف تتولد الرغبة بين جنسين عن طريق الفيرمونات التى تفرز فى العرق و لكنها أهملت الدور المهم للموجات الكهروماغناطيسية فى انجذاب أحد لآخر من أول نظرة. و إن كان مصطلح كيمياء الحب اشتهر فى الفترة الأخيرة فمصطلح الجاذبية الأقدم كان أدق و أرق.
· التواصل مع النبات أظهرت الأبحاث أن النبات يمتلك جهاز عصبى يشبه الجهاز العصبى عند الإنسان إلى حد بعيد. فله من الخلايا و المراكز العصبية و كذلك الوصلات و الألياف العصبية و الأقواس الإنفعالية تماما مثلنا. و لهذا فإنه يتأثر بالمجالات الكهروماغناطيسية المحيطة و منها الصادر من قلب الإنسان فيتم تبادل المعلومات بيننا و بين النبات و لو مرن الإنسان قلبه على التآلف مع لغة النبات الشفرية لعلم منطق النبات. و هذا ما يفسر ذبول بعض النباتات عند سفر من يعتنون بها أثناء سفرهم.فنظرتك إلى جمال الورد و الشجر بإعجاب ينتقل إليها عن طريق رسائل كهروماغناطيسية مشفرة يلتقطها الجهاز العصبى للنبات و يقوم بفك شفرتها و يظهر ذلك على صحة النبات.
· التواصل مع غير الأحياء لا يقف التواصل مع الآخرين إلى النبات و فقط بل يمتد ليشمل كل الموجودات و هذا ما أظهرته أبحاث العالم اليابانى إيموتو على قطرات الماء أثناء تجميدها، فوجد أن انتظامها البلورى يتأثر بكلمات مشاعر الود و الحب و يظهر هذا فى تكوينات متناسقة و متناغمة أو تكون عشوائية و قبيحة عند تلقى كلمات تعبر عن الحقد و الكراهية. و سنتناول هذا بتفصيل أكثر فى الفصل السادس من هذا الجزء.
المخ الصغير من الحقائق العلمية الثابتة أن للقلب جهاز عصبى يتركب من حوالى 40000 خلية عصبية بالإضافة إلى أنواع مختلفة من الخلايا الداعمة تماما مثل المخ و يستخدم نفس الناقلات العصبية الكيميائية و البروتينات التى يستخدمها المخ. و هذا ما جعل البعض يقول أن هذا الجهاز مخ صغير إنفصلت عن المخ الأم و استقرت فى القلب. ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل إن هذا الجهاز يشارك فى توجيه المخ الكبير. و تنشيط العصب نظير الودى بالقلب يهدأ النشاط الكهربائى فى المخ بنسبة 50%.
القلب غدة صماء من الحقائق العلمية الثابتة أيضاً أن للقلب دور كغدة صماء فهو يفرز ستة هرمونات تقوم ثلاثة منهم بتنظيم كمية الماء و أملاح الصوديوم و البوتاسيوم كما تقوم بدور هام فى تنظيم عمل المخ و تكوين بروتين مسئول عن حماية الخلايا العصبية مما تتعرض له من توترات. خاصة التى فى مركز الذاكرة الواعية. و الهرمون الرابع هو الأكسيتوسين الذى كان من المعتقد أنه يفرز من الغدة النخامية فقط و بنفس التركيز، و لهذا الهرمون دور مهم فى الأنشطة المعرفية و الجنسية و السلوكية كما يدعم قدرة الإنسان على تحمل التوترات.كما أكتشف أن القلب يفرز هرمون خامس هو النورأدرينالين الذى له دور كبير فى إعداد الجسم للتعامل مع التوتر. أما الهرمون السادس الدوبامين الناقل العصبى الذى يقوم بدور هام داخل المخ و خارجه.
التواصل بين المخ و القلب أثبتت التجارب مدى اتساق و تناغم عمل القلب و دوره فى توجيه المخ و لذلك فإن دور القلب فى التفكير لا يقل عن دوره فى الشعور. فمع كل نبضة لا يدفع القلب دفقة من الدم فقط، بل يبعث برسائل عصبية، هرمونية، ميكانيكية، كهروماغناطيسية إلى المخ. و لذلك فإن نبضات القلب المتناغمة المتوافقة تحسن من وظائف القشرة المخية المسئولة عن القدرات الحسية و الإدراكية و المعرفية و الذهنية و النفسية.
· آلية عصبية هذه الآلية ليست كما يظن البعض أنها رسائل من المخ إلى القلب عن طريق الجهاز العصبى اللاإرادى لتنظيم عمله، بل أن هناك رسائل عكسية غزيرة من القلب إلى المخ محملة بالكثير من المعلومات. و هذه الرسائل لا تنتهى عند جذع المخ الذى هو مركز التحكم فى الجهاز العصبى اللاإرادى بل تصعد إلى مراكز المخ الأعلى و تؤثر فى عملها، فهذه الرسائل تصل إلى:
1- لوزة المخ أحد أجزاء الجهاز الحوفى فى وسط المخ و هى المركز المسئول عن الوظائف الإنفعالية و عن توجيه سلوكياتنا بناء على مشاعرنا.
2- المهاد و هى المحطة الأولى التى تستقبل الإشارات القادمة من أعضاء الحواس الظاهرية المختلفة (العين، الأذن، الجلد...) ومنها إلى مراكز القشرة المخية المسئولة عن الإدراك
3- قاع الفص الأمامى و فيه يقع المركز المسئول عن التنسيق بين المشاعر و الوظائف العقلية.
· آلية كهرومغناطيسية و تعمل هذه الآلية عن طريق عمل القلب كمولد كهربى به مغناطيس قوى. و عضلة القلب تتكون من مئات الآلاف من الخلايا العضلية المتشابكة التى تعمل كوحدة واحدة تدفع الدم فى مسارات محددة. و لكل خلية من خلايا القلب العضلية مجال كهروماغناطيسى و تقوم الخلايا المستقبلة بفك شفرة الرسائل الكهروماغناطيسية و هذا يكون لغة تواصل بين القلب و الخلايا المحيطة. و ينعكس هذا على معدل و انتظام ضربات القلب. و يمكن تسجيل النشاط الكهربائى لعضلة القلب من أى مكان من جلد الإنسان، و تبلغ شدة هذا النشاط ستين ضعف شدة النشاط الكهربائى للمخ و الذى يمكن تسجيله من الرأس فقط! كما تبلغ قوة المجال المغناطيسى للقلب 5000 ضعف قوة المجال المغناطيسى للمخ و يمكن رصد هذا المجال على بعد يصل إلى 2-3 أمتار حول الإنسان. و أثبتت التجارب أنه يؤثر على موجات ألفا المخية الصادرة أثناء العبادة أو الإسترخاء، كما ثبت أن ثمة تداخل يحدث بين مجالين كهروماغناطيسيين لقلبى شخصين متجاورين يؤدى إلى تناغم أو تشويش و تنافر بين الشخصين.
· آلية ميكانيكية و تعمل هذه الآلية عن طريق مستقبلات كيميائية، فكلا من الأذين الأيمن و الجزء الأول من الشريان الأورطى يحتوى على هذه المستقبلات الميكانيكية التى تشارك فى تحديد معدل ضربات القلب و كمية ضخ الدم، كما تتحكم فى نشاط القلب الكهربائى مما ينعكس على النشاط الكهربائى للمخ و ما يصدره من موجات ألفا.
· آلية كيميائية و هذه الآلية تتم عن طريق عمل القلب كغدة صماء تفرز ستة هرمونات على الأقل لها دور كبير فى توجيه العديد من نشاطات الجسم و المخ.
و لهذا نستخلص أن للقلب جهاز عصبى صغير خاص به يتواصل من خلاله مع الجسم و المخ بل مع محيط الإنسان، فالقلب له قدرة على استقبال رسائل كونية و إلهية و لديه القدرة على إدراكها و إرسالها.و يرسل القلب رسائل غزيرة إلى المخ محملة بالكثير من المعلومات تتلاقى مع المعلومات القادمة من حواس الإنسان فى منطقة المهاد بالمخ لتضاف إليها رسائل مشفرة لخبرات سابقة و خارجة عن الزمان و المكان دمغها الله عز و جل فى ذاكرة القلب، ثم تصعد إلى مراكز الشعور بالقشرة المخية ليتم إدراكها بشكل أكثر تفصيل و من لديه النقاء النفسى يستطيع استقبال هذه الرسائل سليمة غير مشوشة و واضحة تماما. علينا أن نعلم أن هذه حقيقة فالقلب له دور فى الشعور و له دور فى التفكير. القلب يعقل ، وعلم الكون كله موجود ومشفر فى القلب يصعد منه إلى مراكز المخ فيبدأ بالتذكر؛ لذلك كان من الضرورة إدراك هذه الحقيقة والعمل على نقاء القلب حتى يستطيع الإنسان أن يحيا حياة إلى حد ما متوازنة.