السُفُسطائية (السفسطة) Sophism



يشيع بيننا أن نَصِفَ شخصا ما بأنه سفسطائي لمجرد أنه كثير الجدال والنقاش.. لكن هل هذا الوصف صحيح أو دقيق؟
فلنعد لأصل الكلمة وستظهر لنا الإجابة...


المعنى اللغوي لكلمة سفسطائي (سوفيتيس) في اليونانية تعني الحكيم أو المعلم. و"السُفُسطائية" حركة فلسفية عرفتها اليونان القديمة (نهايات القرن السادس وبدايات القرن الخامس ق.م.)، وقد ظهرت هذه الحركة (أو هذا المذهب) في تلك الفترة نتيجة تأثر اليونانيين بمعاركهم مع الفرس والفينيقيين؛ حيث فطنوا إلى أن تلك الشعوب لم تصل إليهم (من بلادهم البعيدة) إلا بسبب اهتمامهم بأسباب الحضارة المادية القائمة على العلم.. فاندفع الشبان اليونانيون للاهتمام بالعلم والتعلم، فتصدى لهذا الهدف مجموعة ممن لديهم قدر من المعرفة، وسموا أنفسهم (سوفيتيس) (أي المعلمين البلغاء أو معلمي الحكمة).


وقد اشتهر فلاسفة "السفسطائيين" بالبراعة في علم الكلام والمحاججة، وتميزوا بالقدرة على قلب الحقائق باستخدام أسلوب المغالطة والتضليل والقياس على أمور غير حقيقية، وذلك للتمويه على الخصم وإفحامه وإسكاته. كما اشتهروا بإثارة الأسئلة والشكوك حول كل شيء بما في ذلك البديهيات؛ مثل المبادئ الدينية وأصول الأخلاق، ولإثبات شكهم كانت لهم القدرة على الإتيان بالحجة على صحة الشيء ونقيضه في نفس الوقت..!


وكان مما ميزهم عن غيرهم من فلاسفة ذلك العصر أنهم أول من قام بالتعليم مقابل المال من الفلاسفة؛ حيث كانوا يتنقلون من مدينة إلى أخرى باحثين عن الشباب الأغنياء واعدين إياهم بتعليمهم مهارات الجدل والخطابة.
ومع أن هذا الاسم "سوفيتيس" (وتعريبها سفسطي أو سفسطائي) كان في الأصل وصف مدح؛ إلا أن لجوء هؤلاء المعلمين لتقاضي مالا لقاء تعليمهم (أي للتكسب بعلمهم) جعل (سقراط) يعتبر ذلك مأخذا سلبيا عليهم؛ فصار اسم (سفسطي) صفة ذم(1).. ونتيجة لآراء هذا الأخير فيهم -ومن بعده (أرسطو) كذلك- أصبح لفظ "سفسطة" ينحصر في معنى: الاستدلال القائم على الخداع والمغالطة.


* * * * *

من جديد.. هل كل نقاش أو جدال في قضيةٍ ما هو مجرد "سفسطة" بمعناها المذموم؟
بتعبير آخر: هل كل نقاش أو جدال هو أمر مذموم؟ خاصة مع علمنا بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أنا زعيم(ضامن) ببيت في ربض الجنة (أسفل الجنة)لمن ترك الِمراء وإن كان محقا..." [جزء من حديث رواه أبو داود، حسنه الألباني فى صحيح الجامع].


الحقيقة أن معنى (المراء) في اللغة: استخراج غضب المجادل. والمراء المنهي عنه شرعا: طعن الإنسان في كلام غيره؛ لإظهار خلله واضطرابه، ليس لهدف إلا تحقير الخصم. وإن كان المماري على حق في القضية المطروحة، فإنه لا يجوز له أن يسلك هذا السبيل؛ لأنه لا يقصد من ورائه إلا تحقير غيره والانتصار عليه.. وهذا ليس من صفات المسلم ولا أخلاقه.


أما (الجدال) فهو من الجَدَل، ومعناه في اللغة: اللدد في الخصومة والقدرة عليها.. أما معنى (الجدل) في الشرع: رد الخصم بالكلام عن مقصده الباطل. و(الجدل) بهذا المعنى محمود شرعا، بل هو مأمور به في سبيل إظهار الحق، ومن الأدلة عليه قوله تعالى: "وجادلهم بالتي هي أحسن" [النحل:125]، وقوله: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن" [العنكبوت:46]، ومن أمثلة الجدال لإعلاء الحق ما فعله (ابن عباس) - رضي الله عنهما - لما جادل الخوارج، ورجع منهم خلق كثير بسبب حججه القوية المقنعة في الجدال والمبنية على علم راسخ.


* * * * *


خاتمة طريفة (عاوزة تركيز وبال رايق!)

هذا مثال على السفسطة عن طريق استخدام الحقيقة الواحدة لإثبات الأمر وضده (!!!):
قام أحد السفسطائيين بتعليم أحد التلاميذ أصول السفسطة من أجل أن يحترفها التلميذ فيما بعد، لكن التلميذ ترك السفسطة وامتهن عملا آخر ولم يدفع للمعلم السفسطائي أجرا مقابل فترة التعليم..
فاشتكى المعلمُ التلميذَ لدى المحكمة، وطالب بمال لقاء تعليمه إياه السفسطة، وكان يطالب بأن يدفع له التلميذ مالا سواءً فاز بالقضية أو خسرها.. حيث أنه إذا فاز المعلم سيكون على التلميذ دفع المال بحكم المحكمة، وإذا فاز التلميذ سيكون هذا دليلا على أنه تعلم السفسطة (لأن لديه حجة قوية للإقناع) وعليه أن يدفع أيضا في هذه الحالة...!
وكان ردّ التمليذ بليغا (وسفسطائيا كذلك!!)؛ إذ أنه طالب بألا يدفع سواء فاز أو خسر.. حيث أنه لو خسر أمام المعلم فهذا دليل على أنه لم يتعلم السفسطة (ليس لديه حجة قوية للإقناع) وبهذا لا يدفع.. وإذا فاز على المعلم فهو لن يدفع أيضا بحكم المحكمة....!!!


تصبحوا على خييييييييييييييييييير....!
___________
(1) لكن الفيلسوف المعاصر (برتراند راسل) يرى أن السفسطائيين الذين يحترفون الكلام هم أيضا بحاجة إلى الطعام!!!